عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
183
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
خلق النار من نصفها المقابل للشمال وجعلها دار الأشقياء أهل الضلال ؛ وكان القسم الذي خلق منه الجنان هو المنظور إليه باسمه المنان فهو لسرّ تجلى اللطيف محل كل كريم عند اللّه شريف . والقسم الذي خلق اللّه منه النار ، هو المنظور إليه باسمه القاهر ، وهو لسرّ تجلي الغافر يشير إلى قبول أهلها إلى الخير في الآخر ، كما قد أخبر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم عن النار : « أن الجبار يضع فيها قدمه فتقول قط قط فينبت فيها شجر الجرجير » وسرّ هذا الحديث هو أن اللّه كلما خلق لأهل النار عذابا خلق لهم قوّة على حمل ذلك العذاب ، وإلا لهلكوا وانعدموا واستراحوا من العذاب ، فلا بد أن يخلق لهم قوّة على حمل ما أنزله بهم من العذاب ليذوقوا عقابه ، وهو قوله تعالى : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ « 1 » فبتبديل الجلود تجدد لهم قوى لم تكن عندهم ، فيقولون في أنفسهم لعله يعذبنا بما هو كيت وكيت ، لاستشرافهم على ما جعله في قابلية تلك القوّة من حمل العذاب ، فيوجده اللّه عندهم فيحلون بذلك ويعذبون به ، فكشفهم الذي وقع في أنفسهم هو بمثابة المبشر لهم بالعذاب ليكون إهانة على إهانة ، كما أن أهل الجنة أيضا يبشرون بنعيمهم قبل وقوعهم فيه . ثم إن أهل النار إذا زال عنهم عذاب وتجدد لهم غيره لا تزول عنهم القوى الأولى لأنها موهوبة بيد المنة ولا يسترجع الحق في هبته ، والعذاب نازل بهم بيد القهر ، فله أن يرفعه ويجعل غيره . ثم لا يزالون يزدادون قوّة بقوّة كل عذاب حتى ينتهوا إلى أن يظهر فيهم أثر تلك القوى قوّة إلهية ، فإذا ظهرت فيهم تلك القوّة الإلهية جبرتهم إلى أن يضع الجبار قدمه في النار ، لأن الصفات الحق لا تظهر في أحد فيشقى بعدها . ثم اعلم أن الجبار إنما يظهر عليهم من حيث تلك القوّة الإلهية التي كشفها لهم للمناسبة التي هي سبب الوصلة في كل شيء ، فيضع قدم التجبر على النار فتذلّ وتخضع لقوته سبحانه وتعالى وتقول عند ذلك : قط قط ، وهذا كلام حال الذلة تحت قهر العزّة عبر عنه بهذا اللفظ فيزول . اعلم أنه لما كانت النار غير أصلية في الوجود زالت آخر الأمر ، وسرّ هذا أن الصفة التي خلقت منها مسبوقة ، والمسبوقة فرع للسابق ، وذلك قوله : سبقت رحمتي غضبي « 2 » فالسابق هو الأصل والمسبوق فرع عنه . ألا ترى كيف لما
--> ( 1 ) آية ( 56 ) سورة النساء . ( 2 ) سبق تخريجه .